ابن أبي مخرمة
27
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
ويقرأ عليه ، ولم يزل حاله يتزايد مع كافور إلى أن توفي كافور في التاريخ المذكور . وكان ابن الفرات وزير كافور يحسده ويعاديه ، ولما مات كافور . . قبض ابن الفرات على جميع الكتّاب وأصحاب الدواوين ، وقبض على يعقوب في جملتهم ، ولم يزل يتوصل ويبذل المال حتى أفرج عنه ، فلما خرج من الاعتقال . . توجّه إلى بلاد المغرب ، فلقي جوهرا الخادم وهو متوجه بالعساكر والخزانة إلى الديار المصرية ليملكها ، فرجع في صحبته ، وقيل : بل استمر في قصده ، وانتهى إلى إفريقية ، وتعلق بخدمة المعز ، ثم رجع إلى الديار المصرية ، فلم يزل يترقى إلى أن ولي الوزارة للعزيز بن المعز ، وعظمت منزلته عنده ، ومهد قواعد الدولة . وكان يعقوب يحب العلماء ، ويجمع عنده العلماء ، وتقرأ عنده مصنفاته في كل ليلة جمعة ، ويحضره الفقهاء والقضاة والقراء وأصحاب الحديث والنحاة وجميع أرباب الفضائل وغيرهم من وجوه الدولة ، فإذا فرغ من مجلسه . . قام الشعراء ينشدون المدائح ، وكان في داره قوم يتلون كتاب اللّه ، وآخرون يقرءون الحديث والفقه والأدب حتى الطب ، وينصب كل يوم خوانا للخاصة ، وموائد عديدة لمن عداهم من أهل مجلسه ، وكان يجلس كل يوم بعد صلاة الصبح ، وتعرض عليه رقاع الناس في الحوائج والظلامات ، وكان في خدمته قواد ، من جملتهم القائد أبو الفتوح فضل بن صالح الذي تنسب إليه منية القائد ، وهي بليدة من أعمال الجيزة من الديار المصرية ، وكانت هيبته عظيمة وجوده وافرا . وكان له طيور سابقة ، وللعزيز كذلك ، فسابق يوما بعض طيوره بعض طيور العزيز ، فسبق طير العزيز ، فعز ذلك على العزيز ، وقيل له : إنه قد اختار لنفسه من كل شيء أجوده وأعلاه ، حتى الحمام ، وقصدوا بذلك الإغراء به ؛ حسدا له ، لعله يتغير عليه ، فاتصل ذلك بالوزير ، فكتب إلى العزيز : [ من السريع ] قل لأمير المؤمنين الذي * له العلا والنسب الثاقب طائرك السابق لكنه * جاء وفي خدمته حاجب فأعجب ذلك العزيز ، وذهب عنه ما كان يجده عليه ، قيل : إن البيتين له ، وقيل : لمولى الدولة ، المعروف بابن خيران . ولما مرض . . عاده العزيز وقال له : لو كنت تشترى لاشتريتك بملكي ، وفديتك بولدي ، هل من حاجة توصي بها ؟ فبكى وقبل يده وقال : أما فيما يخصني . . فأنت أرعى